حبيبـة بــن رمضــان, وزيرة الصحّة ســابقا: النــظام الصـحّي التـونســي والتحوّلات الكبـرى

 المرأة  (حبيبـة بــن رمضــان) – تعتبر الدكتورة حبيبة بن رمضان الأستاذة في الطبّ ووزيرة الصحّة السابقة أنّ الإدماج والتقدّم  التكنولوجي هما أساس النظام الصحّي للقرن الحادي والعشرين، مبرزة أهميّة الديمقراطية الصحيّة التي كرّسها دستور 27 جانفي 2014. تقول الدكتور بن رمضان:

«عندما نتناول  القضايا الصحيّة الرئيسية ، فإنّنا نميل إلى اختزالها في الانتقال الوبائي، وفي التحوّل من الأمراض المعدية إلى الأمراض غير المعدية.
لكن يتبيّن أنّ هذا المنظور أحادي البعد ، لأنّه يتجاهل الأبعاد الأخرى التي تحدّد استجابة النظام الصحّي للضغوط المختلفة التي يخضع لها ؛ وهي التحوّل الديمقراطي الذي يضع المواطن في قلب النظام الصحّي والثورة التكنولوجية في جميع تطبيقاتها كأداة تصرّف وتقييم للخدمات. هذا الثالوث هو الذي يشكّل «التحوّل الصحّي في القرن الحادي والعشرين». من خلال الجمع بين التغييرات الوبائية والتغييرات في مستوى المنظومة والتغييرات المجتمعية والمؤسّسية والفردية ، يصبح المفهوم منطلقا لتحليل قدرات النظم الصحيّة على التكيّف مع تطوّر الوضع الوبائي والمشاكل الناشئة، وكذلك الصمود إزاء الضغوط الناجمة عن متطلّبات النجاعة والإنصاف.

وعلى الرغم من أنّ تونس دخلت عهد التحوّل الوبائي منذ ثلاثة عقود ، إلّا أنّها أن لم تكيّف بعد نظامها الصحّي لمواجهة مقتضيات هذه الوضعيّة الجديدة ، ذات التداعيات الصحيّة الجسيمة والكلفة الاقتصادية الباهضة بالنسبة إلى الدولة والتي لا يمكن للأسر تحمّل أعبائها المتفاقمة. تتسبّب الأمراض غير المعدية (أمراض القلب والأوعية الدموية ، والسرطان، والسكّري، وأمراض الجهاز التنفّسي المزمنة) في أكثر من 60 ٪ من حالات الوفاة. وكمصدر لهذه الأمراض يمثّل التدخين وسوء التغذية ونمط الحياة الخالي من الحركة سلوكيات شائعة جدًا، إذ يعاني 34 ٪ من التونسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 سنة وما فوق من زيادة الوزن ، وواحد من كلّ أربعة يعاني من السمنة المفرطــــة (نسبة السمنة هي الضعف عــــند النســــاء) و15 ٪ مصابون بداء السكري و 28 ٪ مصابون بارتفاع ضغط الــــدم و48 ٪ من الرجال مدخّنون.

وبحكم التزامها بتنفيذ جدول أعمال أهداف التنمية المستدامة ، وبوجه أخصّ الهدف الثالث منها وعنوانه «الصحة الجيّدة والرفاه» والمتمثّل في «ضمان تمتّع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار»، فإنّ تونس مطالبة بمراجعة استراتيجيتها للوقاية من الأمراض غير السارية ومكافحتها والتي يجب أن تعطي فيها الأولوية للتدخّلات التي تضمن أفضل علاقة بين التكلفة والنجاعة وأن تعتمد المقاربة المتعددة القطاعات المبرمجة منذ عشرين عاما، والتي لم تُطبَّق أبدا.

لقد أتى التحوّل الديمقراطي ببداية عهد جديد في تونس، ومكّن من تأكيد الحقّ في الصحّة وضرورة انتفاع جميع المواطنين بالخدمات الصحيّٰة  ولا سيّما منهم الأكثر الفقر، دون تحمّل أعباء ماليّة مترتّبة على العلاج. كما وضع الدستور الجديد أسس الديمقراطية الصحيّة التي تمكّن المواطنين من المشاركة في صنع القرار على جميع المستويات، المحلّي منها والجهوي والوطني.

وعلى صعيد آخر، تضع الثورة التكنولوجية النظام الصحّي أمام تحدّي استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتّصال في إدارة أنظمة المعلومات وكذلك في الرعاية والوقاية، من خلال التطبيب عن بُعد والتطبيقات المحمولة. وهذا الاستخدام ليس فقط عنصر تحديث للتصرّف؛ إنّه عنصر مركزي في إدماج الفئات الاجتماعية الذي بدونه ستكون هذه الفئات مهمّشة، هذا إذا لم تُقصَ تماما من النظام.

وتبرز جائحة كوفيد- 19 الأخيرة ، الذي تسبّب فيها فيروس سارس كوفيد-2، مركزية مفهوم «التحوّل الصحّي في القرن الحادي والعشرين». وأظهرت الحاجة إلى تلازم البعدين الأساسيّين لـ «النظام الصحي في القرن العشرين» وهما الإدماج  والتقدّم التكنولوجي. كما كشفت قدرة نظامنا الصحّي على استباق تفشّي وباء خطر للغاية غير متوقع ومكافحته؛ وأظهرت الجائحة كذلك أنّ جميع الفئات الاجتماعية قد استفادت من نفس الخدمات الصحيّة وفقًا لمتطلّبات ضمان حقّ الجميع في الصحّة والتي  تطوّرت استنادا إلى تكنولوجيات المعلومات والاتّصال الجديدة.

هذه التطوّرات هي التي يجب أن تكون مصدر إلهام وتوجيه بالنسبة إلى نظامنا الصحّي وأساس تعاملنا مع التحوّل الوبائي لننخرط في «نظام صحّي للقرن الحادي والعشرين».

 ليدرز 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا